القرطبي

45

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ والله بصير بالعباد ( 20 ) قوله تعالى : ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات ، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الايمان والتبليغ وعلى الله نصرك . وقوله " وجهي " بمعنى ذاتي ، ومنه الحديث ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره ) . وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد ، كما تقول : خرج فلان في وجه كذا . وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى ( 1 ) ، والأول أولى . وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس . وقال : أسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : " ويبقى وجه ربك " ( 2 ) : إنها عبارة عن الذات وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه . وقوله : " ومن اتبعن " " من " في محل رفع عطفا على التاء في قوله " أسلمت " أي ومن اتبعن أسلم أيضا ، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما . وأثبت نافع وأبا عمرو ويعقوب ياء " اتبعن " على الأصل ، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء . وقال الشاعر : ليس تخفى يسارتي قدر يوم * ولقد تخف شيمتي إعساري قوله تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) يعنى اليهود والنصارى " والأميين " الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب . " أأسلمتم " استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الامر ، أي أسلموا ، كذا قال الطبري وغيره . وقال الزجاج : " أأسلمتم " تهديد . وهذا حسن لان المعنى أأسلمتم أم لا . وجاءت العبارة في قوله " فقد اهتدوا " بالماضي مبالغة في الاخبار بوقوع الهدى لهم

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 75 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 165 .